لزهر الشرايطي: من أسطورة المقاومة إلى 'المؤامرة الكبرى'
تتشابك خيوط المجد بالخيانة، وتتمازج صور البطولة بظلال "المؤامرة" في سرديات التاريخ التونسي. وبين هذه التناقضات، تبرز سيرة لزهر الشرايطي كإحدى أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ تونس الحديث، رجل بدأ بطلاً وانتهى خصماً، لكنه بقي محفورًا في ذاكرة المقاومة.
في برنامج واحد من الناس مع شاكر بسباس، قدّم المؤرخ مصطفى التليلي قراءة معمّقة في شخصية الشرايطي، سبر فيها تحولات الرجل من مقاوم شرس إلى متهم بمحاولة الانقلاب على السلطة، مستعرضًا السياقات التاريخية والنفسية والسياسية التي أحاطت به.
"أسد عرباطة"... حين صنعته المقاومة
في الوعي الجمعي للتونسيين، يحتل لزهر الشرايطي مكانة بارزة على اعتباره رمزا من رموز المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي. لقّب بـ"أسد عرباطة"، وارتبط اسمه بأول خلية مقاومة مسلحة ظهرت في تونس سنة 1952، وكان اسمه يرتبط دومًا بالشجاعة والتخطيط العسكري، وبدعم واسع من قبيلته.
الشرايطي، كما يوضّح ضيفنا مصطفى التليلي، لم يكن مجرد مقاتل، بل كان شخصية ملهمة لجيل من الشباب، سكن الجبال، وتحمّل كلفة المواجهة غير المتكافئة مع جيش الاحتلال، وكان جزءًا محوريًا من الدينامية التي ساهمت في انتزاع استقلال تونس.
من عضدٍ لبورقيبة إلى العدو الأول
بعد الاستقلال، لم يتراجع نجم الشرايطي. بل على العكس، فقد كان من أوائل من سلّموا سلاحهم دعمًا لبورقيبة، واصطف إلى جانبه في صراعه مع صالح بن يوسف. وحظي بتكريم رمزي من الدولة؛ حي سكني سُمّي باسمه، وفُتحت له أبواب الامتيازات، من فيلا إلى مكانة اعتبارية بين "رجال الدولة الجدد"، يقول المؤرخ مصطفى التليلي.
لكن هذا الوفاء لم يدم، وفق ضيفنا، ففي تحوّل درامي، تحوّل الشرايطي من ركيزة من ركائز النظام الجديد إلى الخصم رقم واحد للرئيس بورقيبة، بعد أن اتُهم بقيادة محاولة انقلاب في صيف 1962. ومنذ ذلك الحين، أصبح اسمه مرتبطًا بما سُمّي لاحقًا بـ"مؤامرة الأزهر الشرايطي"، التي أجهضت قبل أن تنفذ.
التليلي: “الشرايطي لم يرَ نفسه خصمًا لبورقيبة”
يؤكد المؤرخ مصطفى التليلي أن الشرايطي لم يكن على الأرجح يعتبر نفسه منافسًا لبورقيبة، بل إنّ ما حدث كان نتيجة تراكم عوامل متشابكة داخل الدولة والمجتمع. فالانقلاب لم يكن ثمرة طموح شخصي جامح، بل انعكاس لأزمات بنيوية.
في حديثه، يعدد التليلي العوامل التي قادت إلى محاولة 1962، وهي ''إحساس بالغبن لدى المقاومين الذين شعروا أن السياسيين استأثروا بثمار الاستقلال، تهميش جهوي خلق شعورًا بالتمييز لدى بعض الجهات، طموحات داخل الجيش استلهمت من الانقلابات المتتالية في المشرق العربي، اعتراضات على خيارات بورقيبة الحداثية خاصة ما يتعلق بدور الدين ومكانة المرأة، وبقايا من أنصار الملكية والنظام القديم، ممن شعروا بالإقصاء..وأخيرًا، طموحات شبابية منفلتة سعت إلى تسلق هرم السلطة بسرعة'' يفسّر التليلي.
بين السردية الرسمية والذاكرة الشعبية
ورغم الإدانة الرسمية، يشير التليلي إلى أن الشرايطي ظل حاضرًا في كتب التاريخ المدرسية، حتى في ظل نظامي بورقيبة وبن علي. لم يُمحَ اسمه من الذاكرة الوطنية، بل استمر كـرمز مقاوم، وإن شابت صورته "وصمة المؤامرة"...
فحتى بعد سقوط النظام البورقيبي، ثم نظام بن علي، عاد اسم الشرايطي ليُستحضر في سياق إعادة الاعتبار للمعارضين، لا سيما بعد 2011، حين بدأ التونسيون في تفكيك "أساطير الدولة" والنظر في تاريخهم بأعين جديدة.
لزهر الشرايطي ليس مجرد شخصية تاريخية، بل هو مرآة تعكس صراعًا مزمنًا في تونس بين الذاكرة الرسمية والذاكرة الجماعية، بين تمجيد الدولة لمن خدمها وشيطنتها لمن عارضها، حتى ولو كانوا من صانعي مجدها. وكما يقول مصطفى التليلي، فإن الشرايطي لم يخن الوطن، لكنه اصطدم بنظام رأى في المعارضة خطرًا لا يُغتفر.
وبين صمت الجبال التي حملت خطواته، وسطور الكتب التي لم تُمحَ منها سيرته، يظل الشرايطي حاضرًا في سؤال مفتوح: من يكتب تاريخ تونس؟ ومن يُحدّد من هو البطل ومن هو الخائن؟
أمل الهذيلي